|
شجرة زيتون معمرة ( تـاريـخ الـذهـب السـائـل ) /الحلقة الأولي بقلم : منصور العتيبي مكتوب خصيصاً لبيت الأعشاب
دارت الـفـلك فـي النـبي الكـريم الـذي أمـتثـل لأمـر ربـه عـلى وجـه المـاء هـو ومـن مـعـه ..ثـم ضـاقـت السفينة بمـن فـيـهـا وضـاق أهـلها وأسـتـشـرف نـوح عـليه السـلام يـريـد أن يـرى أخـبـار الأرض ومـا حـل فـيـهـا بـعـد الطـوفـان الـرهـيب .. فـأمـر الغـراب أن يـذهـب ويـأتـيـه بخـبـر الطـوفـان عـلى الأرض ومـا فـيـها .. فـذهـب ولـم يـعـد ومـن هـنـا كـره النـاس الغـراب وأصـبح مثـال الفـأل السيئ كـما تقـول الأسطورة..ثـم أرسـل نبـي الله عـليه السـلام الحمامة فعـادت إلـيه فـي أرجـلها الطـين وتحـمـل في فـمهـا غـصـن الزيـتـون فـكـانت رمـز السـلام والمحبة لأولاد من ركبـوا السفينة حـتى يومـنا هـذا فـعـلـم نـبي الله أن المـاء قـد جـف عن الأرض وقـد عـادت الحياة لها ونـزلت رحمـة الخـالق فـكـانت شـجـرة الـزيـتون ( أول ) شـجـره تنـبت في الـدنيـا بـعـد الطـوفـان ..فهـي شـجـرة السـلام و الرحمة .. ثـم .. انـقـطـع الـتـاريـخ ولـم يـعـرف مـاذا حـل بهـا مـنذ كـان غـصـن الـزيـتون في فـم الحمامة حـتى أول اكتشاف لـهـا في ممـلكـة ( آيـبـلا ) في السـواحـل الشمالية لـبـلاد الشـام فـي سـوريـا الحالية ..فـقـد أثـبتت الاكـتشـافـات التاريخية والجيولوجية أن أقـدم أثـر لـشجـرة زيـت الـزيتـون في مملـكـة آيـبـلا الـتي قـامت على سـواحـل سـوريا الشمالية والتـي كـانت أول من تعـامـل مـع هـذه الشجرة بـطـريـقه حـضاريـه وراقـيه في الاسـتخدامات الاجتماعية لهـا ..وتـشـير الـروايـات القديمة لسكـان دول الحـوض الأبيض المـتوسط أن الإنسان اهتدى لشـجـرة الـزيتـون ولـم يهتد لمـعـرفة زيـتها وعـصـره إلا بـعـد 2000 عـام على اكتشافه لهـا ..فكـانت بـلاد الشـام هـي مـنبت شجـرة الـزيـتون وهـي التـي عـصـر فـيها الـزيـتون وخـرج زيـته الـذي اختلفت الحياة بعـد خـروجـه وكـان ( نـقـلـه ) نـوعـيـه للحضارة الإنسانية .. ويـتنـقـل التـاريـخ .. بـرواياتـه وأثـاره مـن الحقبة الأولى لـتاريخ شجـرة الـزيتـون في بـلاد الشـام .. حـتى يـأتي دور الحضارة ( الفينيقية ) التـي اعتنى شـعـبها بهـذه الشجرة أيمـا عناية .. وأدرك قـيـمتهـا حـتى كـان أول شـعـب يـنـشـر ( غـرس ) الـزيتـون في أرجـاء مملـكـته و يعـطـي ( مخـصـصات ) للفـلاحـين والـزارعـين لـه فكـانت حـوافـز ( حـضـاريـه ) قـديمـه وجـهـد ( إعــلامـي ) غـيـر مسـبوق فـي حضارة خالدة وبائدة ..
معصرة زيتون قديمة ومـع أن ممـلكـة آيـبـلا قـد سـبـقت الحـضـارات الأخرى فـي ( تجـارة ) زيت الزيتون وتـصـديـره كـما تـشـير الاكـتشـافـات فـي ( أوغـاريـت ) عـلى السـاحـل السـوري التـي تم اكـتشـاف عـبـوات جاهزة وجـرار مليئة بالـزيت لـتصـديره للمـمالك المجاورة عـبر السفـن وحـركـة البحـار النشطة في تـلك الحقبة ..مـع ذلك كـله .. كـانت الحضارة الفينيقية والفينيقيون هـم ( سـادة ) التجارة والغـرس لهـذه الشجرة المباركة وهـم ( الـرواد الأوائل ) فـي نـشـر هـذه البركة في أرجـاء دول الـبحـر الأبيض المتـوسـط وتـنـبـيه بـاقـي الأمم لـفوائـد هـذه الشجرة وهـذا الـزيت ..فـلقـد دلـت الاحـافـيـر والـروايـات بـل أن معـجـم ( أثـينا ) قـد تحـدث عـن دخـول شجـرة زيـت الـزيتـون إلى أرجـاء الحضارة الغربية وفي اليـونان خاصة عـن طـريق الأمة الفينيقية وهـو بـذلك يـرجـع الفـضـل لهـذه الأمة لـوصـول هـذه البذرة المباركة للأراضي الباردة فـي أوروبا والـدفء الـذي تلا تـلك الشجرة في أرجاء الممـالك الأوربية وشـعـوبهـا ..
و ( دفــن ) الفراعنة أسـرار هـذا الـزيت عـن الأمم كـما دفـنوا أسرار حـضـارتهم التـي أذهلت مـن بعـدهـم .. فـقـد وجـد الكـثير من جـرار الـزيت في الأهرامات وعـرف عـنـهم كـثرة اسـتخـدامهم له وحـبهم الكبـير لطـعمه ورائحـته إلا أنهم لم يسـاهـموا في نـشـره عـبر الأمم كـما كـان حـالـهـم في باقـي خـيرات مملكتهم ..ودارت رحـى المعـاصـر وصـوت ( ثـفـل ) الـزيـتـون الـذي يخـرج بعـد عـصـره فـي حضـارة الإغريق الـتي غـزت الـدنيـا ووصـلت حـتى مـشارف الـصـين ..وعـرف الإغريق شجـرة زيـت الـزيـتون فـي حـياتهم وثـقافـتهم .. وركـبت مـعـهم البحـر الذي غـزوا أمـم أوروبا فـيه ونـقـلت مـع عـداد جـيوشـهـم جـهـة الشـرق ومسـح المـلوك والمـواليـد بهـا وأوقـدت نـيـران أثـينا ومـقـدونيـا بـزيت الـزيـتون حـتى أصبح رمـزا لحضـارة الإغريق وثـقـافـتهم الـتي سـادت قـرونـاً طويلة ..ثـم .. أسـتـلـم ( الـرومـان ) رايـة هـذه التجارة وأخـذوا عـلى عـاتقـهـم نـشـر هـذه الشجرة فـي أرجـاء الدنـيا ( آنذاك ) فـقـد كـانت الدنـيا هـي دنـيا الأمم القديمة في بـلاد الشام ودول البحر الأبيض المـتوسط وأوروبا كـأقـصى حـد لاتساع الأرض لـديهـم ..ومـع أن الـرومـان أتـوا بـعـد ( شـعـوب ) قـد أكـتشف قـبـلهـم هـذه الشجرة المباركة بـشـكـل حـضـاري وتجـاري .. ألا أن الـرومـان هـم ( صـدارة ) الأمم فـي ( تـنـظيـم ) عـلـوم الـزيـتـون وزيـته .. فـقـد أحـدث الـرومـان ( نـقـله ) جبارة في تجـارة الـزيت وتـنـظيم ( ممـتلكـاتـه ) بـل وطـرق اسـتخـدامـه وتخـزيـنه وحـفـظـه و.. ( كـثـير ) مـن الأشياء التي بـقـيت بـعـد ذهـاب مملـكـة الـرومـان الشرقية فـي ( بـلاد العـرب وسـواحـل اليـونان ) في العـهـد الـذي تلاهـم ..فـالـرومـان هـم ( المـكتـشـفون ) الحقيقيون لهـذه الشجرة وهـذا الـزيـت ..فـلـقـد وضـعـوا ( أسـس ) وقـواعـد خاصة لـزراعـة الـزيتون وحفـظـه بـل وقـد صـنفـوا أنـواعـه وجـعـلوا ما يـصـلح للـزيت ومـا يصـلح للأكـل ومـا هـو ( ثـنائـي ) العـطـاء .. وجعـلـوا له ( سـجـلات ) خاصة في دار العـلوم في أثـينا عـنـدما سـيـطروا عـلـيها وجـعـلوا لـه ( أطـبـاء ) خـاصـين سموا بأطبـاء شـجـرة الإلهة ولـم تكـتـف الحضارة الرومانية بذلك .. فـقـد جـعـلت زيـت الـزيتون ( يـلتصـق ) بالمجتمع الرومـاني بأشـد قـوه .. فـقـد جـعـلت الجـوائـز الرياضية هـي عـبوات من زيت الزيتون وجـعـلت ثـراء العـوائـل النبيلة يـقـاس بـمـقـدار حـصـصـهم فـي أراضـي وأشـجـار الـزيـتون .. ووضـعـت أسـواق خاصة لأفضل أنواع زيـت الـزيتون ليشـتري مـنها الخاصة دون العامة واختارت أنواع خاصة لتصديرها لأوروبا دون المملكة الشرقية .. وقـامـت بغـرس أشـجـار كثيرة في البـلـدان التـي تسـيطر عـليها وهـو ما يسمى اليـوم بالشـجـر الرومـاني نسـبة لهـم .. وزيـته هـو الـزيت الـرومي الذي هـو ( أفـضـل ) زيت في العالم على الإطلاق لأنه يتـواجـد في فلسطين ولا يـوجـد مـن أشجـاره سـوى القـلـيل التي عـمرت الآلاف السـنين ..فكــان الـرومـان هـم حـضـارة الـزيتـون وزيـته ..ثـم .. خـبا ذكـر الـزيتون وزيـته كـ ( ثقافة ) بـين الأمم .. وبـقـي ذكـره عـند أهـله في دول البحـر الأبيض المتـوسـط دون غـيـرهـم .. حـتى عـاد ذكـره بقـوه مـع نـزول الإسلام ومـدح الخـالق له في القـران الكـريم ..فـرجـع يـنـافس بـقوه بـاقي أغـذية الـدنيا مـع العـرب وفـتوحـاتهـم فـأسـتلـذ العـرب بـه في الشـام وبـاقي دول إفريقيا المطلة عـلى البحـر الأبيض المتـوسـط .. وأسـتثـار قـريحتهم في دول المغـرب العـربي لاتحـاده مـع الجـو والأرض فكـان يمثـل مـاء الجنة لديهم في جـوار أوروبا ..
ثـم ( انفرجت ) الغمة التـي كـانت قـد أظـلت هـذه الشجرة المباركة سـنينً طويلة .. وأشـتعـل الـزيـت المـبارك ( يـضـيء ) حـضـارة العـرب في الأندلس حـتى جعـلوه ( قـرين ) لحـياتهم وسـبل عـيـشهـم هـناك ..
فـأضـاء المـدن وأضـاء الـطرق .. وتـسـرب لجـمـيع فـئـات المـجتمع وجـوانـبـه .. فـقـد كـان الـرجال يأكلونه في جميع أوقات اليوم ويـدهـنون به رؤوسهم وشعـورهم .. والنـساء يمـلأن أجسادهم مـنـه طـوال اليـوم ولا يكـلن مـن التعامل معـه في غـذاء أو دواء أو جمـال ..فـسـعـد المجـتمع الأندلسي بـه .. حـتى وضـح في شعـرهـم وفـي طـرق عـيشهم وفي جمـال نسـائـهـم الـذي تكـلم التـاريـخ عـنـه ..وجعـلوا لـه ( احـتـفالات ) خاصة بمـواسـم قـطـافـه وأهازيج وسعادة عارمة تـمـر على المجتمـع الأندلسي بكـامـله عـنـد حـلول مـوسـم قـطاف الزيـتون وعـصـره ..وأضاءت المـدن بـزيته في قنـاديل تملأ الـشـوارع والطـرقات .. حـتى قـام أحـد وزراء ملـك قشتا له عـنـدما زار اشبيلية :( رأيـت مـديـنة النـور .. تـضـاء بـعـافـيـة الأرض ) ..
فـاسـتـمـر هـذا الـزيت حـتى وقـتنا الحـاضـر مصـدر ( السعادة ) لأهـله والعافية والجمـال وبـقي في مـواطـنه الأصلية بـلاد الشـام ودول البحر الأبيض المتوسط ونقـله الأسبان معهـم إلى أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا ..إلا أنـه مـوطن زراعتـه مازال هـو ( سـر ) جـودته .. فـي بـلاد الشـام عـلى العـمـوم .. وسـوريا الحالية وفـلسطين على وجـه الخـصـوص ..فـترى فـرحـة الأهالي بمـوسم قطافه وكـأنها ( تـظاهـره ) اجتماعيه يشارك فيها القوي والضعـيف والطفـل والكبير والمرأة والرجـل يمشـون أفـواجـاً نـحـو المـسـاحـات الشاسعة المزروعة بـشـجـر الـزيتون لـقـطفه ثـم عصـره وهـم يـرددون الأهازيج والفرحة تملأ أوجـه الـرجـال والنـساء والأطفال يتسابقـون لتـذوق أول كـمياته المعصورة والأكل من ثـمره حـتى الشـبـع ..ولا يـفوت مـن يـراهم منـظر فـرحتهم بخـروج الزيت حـتى ترى الكثير منهم يحتضن ( جـرار ) الزيت التي خـرجت من المعصرة عـلى صـدره وكأنها أحـد ( أطفـالـه ) الـذين يخشـى علـيهـم من المجهـول الـذي لا يعـلـمـه ..فكـان هـذا الـزيت مـاء الحياة ومـاء السعادة عـبـر العـصور والأزمان ..
ورحـمـة الخـالق جـل جـلاله لخـلقـه فـي هـذه الأرض .. للتواصل مع الأستاذ منصور العتيبي
mansur50@maktoob.com
الحقوق محفوظة لبيت الأعشاب © الموقع الشخصي لخبير الأعشاب أشرف العناني
الدال علي الخير كفاعله : في حالة النقل يرجى الإشارة للمصدر www.anani2006.jeeran.com |